ابن حمدون
356
التذكرة الحمدونية
الأرجوزة من فيه ، وأضيف إليها من محاسنه ما تقرّ عين مواليه ، واسأله إحضار ديوانه لأطالعه وأستزيد منه . فشخص درستويه لا يعلم ما يسمع ، ولا يدري بماذا يجيب ، وكان له ابنان يزيدان عليه في التخلَّف ، فاستدعى الأصغر منهما وكان يكنى أبا نصر ، وقال له : اسمع قول القاضي وانظر ما حاجته ؛ فسأل الصبيّ القاضي عن حاجته ، واستشعر السخرية في القصة ، وأعاد ذكر الأرجوزة وما جرى ، واختصر اللفظ وقلَّل العبارة ، فلم يعلم الآخر مراده فأحضرا أخاه الأكبر ، وقال : القاضي يعيد على أخي ويذكر حاجته ؛ فاختصر القاضي اللفظ جميعه ، وذكر الأرجوزة ، فقطع عليه الكلام وقال : حسبك ، قد عرفت ما أراد القاضي ، والتفت إلى أبيه فقال له بالفارسية : ولو يكلاه جورد ، وتفسيره يطلب خرقة يعملها قلنسوة ، فقال الشيخ : وكرامة وعزازة . ثم استدعى خازنه وتقدّم إليه بأن يحمل ما عنده من الخرق إلى بين يدي القاضي ليختار ما يريده . وكان درستويه هذا حسن التجمّل ظاهر المروءة . فحمل الخازن رزمتين كبيرتين فيهما خرق من أصناف الديباج والسقلاطون والحلل . ففتح القاضي واختار منها عشرين خرقة تساوي عشرين دينارا ، ووضعها في كمّه وقال : اللَّه يطيل عمر الشيخ ، فإنه وولده بقيّة الفضل في بلدنا . ونهض ودرستويه يشكره . قال أبو إسحاق : وراح القاضي إلى دار المهلبي على رسمه واجتمعنا ، فقال : يا عيّار ، عملت عليّ مكيدة لم تضرّني ، وأعاد الحديث على سرحه ، وأخرج الخرق من كمّه . فضحك المهلبي حتى فحص برجليه الأرض وضحك الحاضرون ، وردّ الخرق إلى كمّه ، 705 - وكان القاضي يوما بحضرة عضد الدولة ، فسمع استغاثة فقال : انظروا ما هي ! فقالوا : أحد العمال يعرف بابن النّفّاط قد جرت له قصة أو معه . فعجب الملك من اللقب الذي نسب هذا الرجل إليه ، وكيف هو راض بأن يكتب نسبه في رقاعه وحسابه وكتبه . فقال القاضي : أطال اللَّه بقاء مولانا ، لقب تعريف . فقال عضد الدولة : يا قاضي ، ما معنى لقب تعريف ؟ فقال القاضي :